قال الخبير الاقتصادي والمحاضر في كلية الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية، الدكتور سامح العطعوط، خلال حديثه “لراديو حياة”، إن الاقتصاد الفلسطيني يمر بظروف صعبة نتيجة الأزمات المالية والاقتصادية المتراكمة، في وقت أظهر فيه المجتمع قدرة ملحوظة على التكيف مع المتغيرات، رغم انعكاساتها المباشرة على مستوى المعيشة والقدرة الشرائية.
وأوضح العطعوط أن ظاهرة التكيف الاقتصادي والاجتماعي ليست جديدة على المجتمع الفلسطيني، مشيرا إلى أنها ظهرت خلال مراحل وأزمات مختلفة مر بها الاقتصاد الفلسطيني على مدار العقود الماضية.
وأضاف أن الأزمات المرتبطة بأموال المقاصة والعمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، إلى جانب الظروف الاقتصادية المتلاحقة، فرضت واقعا جديدا على المواطنين والمؤسسات، إلا أن الاقتصاد والمجتمع تمكنا، بدرجات متفاوتة، من التكيف مع هذه الظروف.
- تراجع العمالة داخل الخط الأخضر يرفع البطالة ويضغط على السوق المحلية
وأشار العطعوط إلى أن العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر كانت تشكل مصدرا مهما للدخل، لافتا إلى أن الأموال التي كانت تضخها هذه العمالة في الاقتصاد الفلسطيني كانت تتجاوز 20 مليار شيكل سنويا قبل عدة سنوات، فيما تراجعت هذه التدفقات بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة.
وبين العطعوط أن تراجع العمالة داخل الخط الأخضر انعكس على السوق الفلسطينية، لكنه أشار في المقابل إلى أن المؤسسات والمصانع الفلسطينية كانت تعاني قبل ذلك من نقص كبير في العمالة، موضحا أن تقديرات سابقة كانت تشير إلى وجود عشرات الآلاف من فرص العمل التي لم تجد من يشغلها.
وقال إن جزءا من العمال الذين فقدوا فرص عملهم داخل الخط الأخضر اتجه إلى السوق المحلية، ما ساهم في سد جزء من النقص الذي كانت تعاني منه بعض المؤسسات والمصانع، لكنه أقر في الوقت ذاته بوجود ارتفاع في معدلات البطالة نتيجة عدم قدرة السوق المحلية على استيعاب جميع العمالة الخارجة من سوق العمل الإسرائيلي.
وشدد العطعوط على ضرورة عدم بناء الخطط الاقتصادية على انتظار تحولات سياسية أو اقتصادية خارجية، داعيا إلى الاستعداد للسيناريوهات الأصعب ووضع الخطط على أساسها.
وأوضح أن الاقتصاد الفلسطيني يمتلك بعض عناصر القوة، من بينها استمرار عمل المؤسسات المالية والاقتصادية، إلى جانب وجود حالة من الاستقرار النسبي في الضفة الغربية، معتبرا أن هذه العوامل ساهمت في استمرار النشاط الاقتصادي رغم الصعوبات.
وفيما يتعلق بأزمة الشيكل والسيولة، قال العطعوط إن المواطنين والتجار طوروا آليات للتعامل مع الأزمة، مشيرا إلى أن التكيف لا يعني أن الأوضاع الاقتصادية جيدة، وإنما يعكس قدرة الأفراد والمؤسسات على إيجاد وسائل جديدة لمواصلة أعمالهم في ظل الظروف القائمة.
وأكد أن المؤشرات الاقتصادية تشير إلى وجود تراجع في النشاط الاقتصادي، وأن ارتفاع الأسعار والتضخم والمشكلات الاقتصادية لا تقتصر على فلسطين، بل تشهدها اقتصادات عربية وعالمية أيضا.
- دعم الإنتاج المحلي لمواجهة الأزمات الاقتصادية
ولفت العطعوط إلى أن الأزمات الاقتصادية يمكن أن تخلق فرصا جديدة، موضحا أن انقطاع بعض السلع أو صعوبة الحصول عليها قد يدفع إلى تعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على المنتجات الفلسطينية.
وشدد على أهمية وضع سياسات اقتصادية تهدف إلى دعم المنتج المحلي، والحد من البطالة، وخلق فرص عمل تعتمد على تشغيل الأيدي العاملة الفلسطينية، معتبرا أن تعزيز الإنتاج المحلي يمثل حاجة اقتصادية في المرحلة المقبلة.
العمل عن بعد فرصة للحفاظ على الكفاءات الفلسطينية داخل الوطن
وفي السياق ذاته، دعا العطعوط إلى الاستفادة من التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في توفير فرص عمل للشباب الفلسطيني، خصوصا في مجالات العمل عن بعد والعمل الحر.
وأوضح أن عددا كبيرا من الخريجين الفلسطينيين يمتلكون تخصصات ومهارات تمكنهم من العمل مع مؤسسات وشركات خارج فلسطين، دون الحاجة إلى مغادرة الوطن، مؤكدا أن هذه الفرص موجودة بالفعل، لكنها لا تزال بحاجة إلى تنظيم ورعاية مؤسسية.
وأضاف أن الجامعات الفلسطينية تخرج سنويا عشرات الآلاف من الطلبة في تخصصات مختلفة، ما يتطلب العمل على إيجاد آليات لربط الخريجين بسوق العمل المحلي والعربي والدولي.
- ربط الخريجين الفلسطينيين بسوق العمل الخارجي
ودعا إلى إنشاء مؤسسات أو برامج متخصصة تتولى الربط بين الشباب الفلسطيني المتخصص والشركات والمؤسسات الخارجية، مشيرا إلى إمكانية الاستفادة من رجال الأعمال الفلسطينيين في الخارج في دعم هذا التوجه وفتح فرص عمل أمام الخريجين داخل فلسطين.
وأكد أن هذا التوجه يمكن أن يوفر مصدر دخل للشباب الفلسطيني، ويساعد في إبقاء الكفاءات داخل الوطن، والاستفادة من المعرفة والمهارات التي يمتلكها الخريجون في قطاعات مختلفة.
وأشار العطعوط إلى أن الاستثمار في التعليم يشكل أحد أهم عناصر قوة المجتمع الفلسطيني، مؤكدا أن الاهتمام بالتعليم ترسخ لدى الفلسطينيين على مدى عقود، وأن الحفاظ على هذه الكتلة المتعلمة وتطويرها يجب أن يكون جزءا أساسيا من أي استراتيجية اقتصادية واجتماعية مستقبلية.
وفي ختام حديثه، شدد العطعوط على ضرورة الانتقال من التعامل مع الأزمات بصورة مؤقتة إلى وضع استراتيجيات طويلة الأمد، تقوم على دعم الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل، والاستفادة من الكفاءات الفلسطينية، وربطها بأسواق العمل الخارجية، بما يتيح تحقيق دخل داخل فلسطين وتعزيز قدرة الاقتصاد المحلي على مواجهة الأزمات المتلاحقة.










