أكد الناشط علاء الريماوي أن “فهم المشهد السياسي الحالي يتطلب قراءة متأنية لطبيعة التفكير لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل”، موضحا أن “الأخيرة تمر بمرحلة بالغة الحساسية، لا سيما على مستوى اليمين بقيادة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى تجنب دفع أي أثمان سياسية في هذه المرحلة”.
وأضاف أن “نتنياهو ومعه المنظومة اليمينية، يدركان أن مستقبلهما السياسي في الانتخابات المقبلة يرتبط بثلاثة ملفات رئيسية هي لبنان، وإيران، وقطاع غزة”، معتبرا أن “أي تنازل في ملف غزة سيفسر داخل اليمين الإسرائيلي على أنه هزيمة سياسية قد تفقده فرصة البقاء في الحكم خلال السنوات المقبلة”.
وأشار إلى أن هذا الواقع يدفع نتنياهو إلى التشدد ورفض أي تسوية قد تفسر على أنها تراجع، لافتا إلى أن أنه سبق أن أبدى موافقة مبدئية على تفاهمات جرت في القاهرة، قبل أن يتراجع عنها تحت ضغط قوى اليمين الإسرائيلي، ما يؤكد أن مسار المفاوضات يبقى مرهونا بالتوازنات والانقسامات الداخلية في إسرائيل، إلى جانب نتائج استطلاعات الرأي.
وأوضح أن الولايات المتحدة تواجه في المقابل مأزقين رئيسيين في الشرق الأوسط، أولهما يتعلق بإيران، والثاني بإدارة حالة الاستقرار الإقليمي بما يحافظ على مصالحها الاستراتيجية، مبينا أن واشنطن تدرك أن تقديم تنازلات متزامنة في ملفات إيران ولبنان وقطاع غزة من شأنه إحداث تغييرات واسعة في موازين القوى بالمنطقة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية درست خيارين في التعامل مع الملف الإيراني، يتمثل الأول في التصعيد العسكري، بينما يقوم الثاني على التوصل إلى تسوية تشمل مضيق هرمز وملف اليورانيوم المخصب، مرجحا أن واشنطن باتت على قناعة بصعوبة حسم هذا الملف عسكريا في ظل القيود الدولية المفروضة على استخدام الأسلحة غير التقليدية.
وأكد أن استمرار قواعد الاشتباك الحالية قد يقود إلى مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية، تنعكس بصورة مباشرة على القضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن غياب الحسم سيدفع الأطراف المختلفة إلى البحث عن تسويات سياسية تشمل قطاع غزة ولبنان وعددا من ملفات المنطقة.
ولفت إلى أن الحرب على غزة أفرزت مراكز قوة إقليمية جديدة، بعد أن برزت أدوار كل من مصر وتركيا وباكستان، إلى جانب الحضور المتنامي للمملكة العربية السعودية، معتبرا أن هذه التطورات أسهمت في إنهاء حالة التفرد التي ميزت إدارة ملفات الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن هذه التحولات انعكست أيضا على الدبلوماسية الدولية، موضحا أن الإشادة الأمريكية بالدور التركي، والحضور السياسي المتزايد للسعودية، يعكسان بروز توازنات جديدة في المنطقة، لم تعد فيها إسرائيل اللاعب الوحيد المؤثر في صناعة القرار داخل الولايات المتحدة.
وأضاف أن ملفات المنطقة أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة، مستشهدا بالملف اللبناني الذي بات يتداخل مع الملف الإيراني، الأمر الذي يؤكد أن استقرار الإقليم لم يعد مرتبطا بملف واحد، وإنما بمنظومة متكاملة من القضايا السياسية والأمنية.
وشدد على أن القضية الفلسطينية برمتها باتت عنوانا رئيسيا لاستقرار الشرق الأوسط، “فهي لم تعد شأنا محليا أو إقليميا فحسب، بل تحولت إلى عامل مؤثر في الانتخابات الأمريكية والأوروبية، وفي تشكيل الرأي العام العالمي، فضلا عن تأثيرها في إعادة رسم موازين القوى الدولية”، وفق قوله.
وفي الشأن الفلسطيني، أكد أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب رؤية سياسية موحدة وبرنامج وطني جامع، مشيرا إلى أن الساحة الفلسطينية ما زالت تعاني من حالة من التشتت السياسي، في ظل إدارة غزة لملفاتها بصورة منفصلة عن الضفة الغربية، التي تتركز أولوياتها في القضايا الاقتصادية والإدارية، لافتا إلى أن مفاوضات القاهرة شهدت مشاركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وتيار الإصلاح الديمقراطي، مع غياب السلطة الفلسطينية وحركة فتح، مؤكدا أن أي ترتيبات سياسية مستقبلية تحتاج إلى مشاركة جميع مكونات النظام السياسي الفلسطيني.
وأوضح أن استمرار الغياب قد يضعف قدرة الفلسطينيين على التأثير في القرارات والتفاوض، ما يستدعي الحفاظ على الحضور الفلسطيني في المحافل الإقليمية والدولية، بعيدا عن الخلافات الداخلية.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تتطلب إجابات عملية حول تحسين أوضاع المواطنين، وإدارة العمل السياسي، وإعادة بناء مشروع وطني موحد يمثل الفلسطينيين، مؤكدا أن الواقعية السياسية أصبحت ضرورة لمواجهة التحولات المتسارعة.
وختم بالتأكيد على وجود مؤشرات على نضج سياسي داخل الساحة الفلسطينية، داعيا إلى تحويله إلى حالة وطنية شاملة تضم جميع القوى والفصائل لبناء موقف فلسطيني موحد قادر على التعامل مع التحديات الراهنة.









